أثار افتتاح مزرعة الأسماك التي تولى الجيش تنفيذها من خلال جهاز الخدمة الوطنية جدلا شديدا اختلط فيه الحق بالباطل والمعالجة الموضوعية بالانتقام. وأكتب بهذا الشأن لأنني كتبت من قبل عن النشاط الاقتصادي المدني للجيش ("اقتصاد الجيش بين التهويل ومنطق تفكيك الدولة" أهرام 12/4/2012، "ماذا يريد الغرب من اقتصاد الجيش؟" أهرام 8/10/2013) في مواجهة الموجة غير العلمية وغير الواقعية من الدراسات والمقالات الغربية التي كانت تذهب إجمالا إلى أن اقتصاد الجيش يشكل 40% من الاقتصاد المصري منذ خمسة أعوام عندما كان ذلك النشاط محدودا ولا توجد ملاحظات عليه سوى أنه غير خاضع لرقابة فعالة من الجهاز المركزي للمحاسبات، وأنه معفى من الضرائب مما يضر بعدالة المنافسة مع القطاع العام المدني والقطاع الخاص الكبير والمتوسط والصغير والتعاوني. وكان ما كتبته وما أدليت به من أحاديث يؤخذ في الدوريات الغربية كرأي مخالف للتخمينات الغربية المبالغ فيها آنذاك. وكان وزير التجارة والصناعة الأسبق رشيد محمد رشيد قد قدر حصة الجيش وشركاته في الاقتصاد بنحو 10% عام 2011 في تصريحات لنيويورك تايمز بتاريخ 17/2/2017. وربما تكون تلك النسبة مبالغ فيها أيضا بعض الشئ في ذلك الحين. لكن ذلك النشاط الاقتصادي المدني للجيش توسع كثيرا بعد ذلك وبخاصة في عهد الرئيس الحالي وارتفعت حصته في الاقتصاد دون أن توجد بيانات دقيقة عن ذلك.
وأكتب أيضا لأنني وضعت الاستزراع السمكي في البحار المفتوحة كأحد عناصر البرنامج الاقتصادي الذي قدمته لمرشحي الرئاسة عامي 2012، 2014 آملا أن يتبنونه لصالح المستقبل الاقتصادي لمصر بما فيهم الرئيس الحالي ومنافسه. وهذا نص ما كتبته في البرنامج كبند من بنود الاستثمار الضروري للانطلاق الاقتصادي: "تخصيص جزء مهم من الاستثمارات الخاصة والعامة لتطوير الاستزراع السمكي في البحار، استنادا إلى تمتع مصر بشواطئ يتجاوز طولها 2800 كيلومتر على البحرين المتوسط والأحمر، بحيث أنها يمكن أن تحول مصر إلى مصدر رئيسي للأسماك في العالم، وتستنهض صناعات تجهيز وحفظ وتعليب الأسماك بكل فرص العمل المرتبطة بها والتي ستساهم في تخفيف أزمة البطالة. وللعلم فإن الصين التي اعتمدت على هذا النمط من الاستزراع السمكي، تحولت من منتج متوسط للأسماك، حتى سبعينيات القرن العشرين، إلى أكبر منتج للأسماك في العالم في الوقت الراهن".
وكان من المفترض أن يقوم القطاع العام المدني أو القطاع الخاص المتوسط أو التعاوني أو الصغير بتلك المشروعات. لكن القطاع العام المدني لم يتقدم للقيام بتلك المبادرة لأنه مسحوق باختلالات مالية رهيبة أنتجتها أجيال من قيادات بعضها محدود الكفاءة وبعضها فاسد، ومسحوق بالإهمال المتعمد من الدولة له بعدم تحديثه تقنيا وبعدم توفير التمويل اللازم لإمداده بالمواد الخام وقطع الغيار وهو ما يعوق تشغيله كليا أو جزئيا. كما أنها غير معنية بتطوير تسويق إنتاجه محليا ودوليا حتى ينكمش وينزوي لإفساح المجال أمام القطاع الخاص للحلول محله بدلا من العمل إلى جانبه، وأيضا بسبب تركيز الاهتمام على النشاط الاقتصادي المدني للجيش كبديل للقطاع العام. كما أن القطاع الخاص بكل أحجامه والقطاع التعاوني لم يتقدما للقيام بتلك المشروعات حيث يصطدمان بالمنع لاعتبارات تتعلق بالأمن القومي. وبعض تلك الاعتبارات حقيقي والبعض الآخر مبالغ فيه ويحتاج للمراجعة. ولتنشيط هذا القطاع وتهدئة المخاوف من مصادرة الفضاء الاقتصادي لابد للدولة من طرح عدد كبير من المناطق للاستثمار في المزارع السمكية في البحار على القطاع الخاص بكل أحجامه الصغيرة والمتوسطة والكبيرة وعلى القطاع التعاوني وعلى القطاع العام المدني مع وضع الاشتراطات التي تضمن الأمن دون مبالغة أو تعجيز، والاشتراطات التي تحافظ على البيئة.
ويحدد الدستور في المادة 200 دور القوات المسلحة على النحو التالي"القوات المسلحة ملك للشعب مهمتها حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها". ورغم أن النشاط الاقتصادي المدني للجيش هو أمر لا علاقة له بالمهام التي يحددها الدستور للجيش، إلا أنه ينبغي النظر إلى ذلك النشاط بصورة موضوعية تحدد ما هو مسموح وممكن في ظروف مصر وماهي الخطوط الحمراء التي ينبغي ألا يتجاوزها ذلك النشاط حتى لا يضر بمهماته الأصلية وبالنشاط الاقتصادي الخاص والعام المدني وبضرورات التنمية في مصر.
ومن المؤكد أن تبعية الصناعات العسكرية للجيش هو أمر مفروغ منه في الدول النامية وضمنها مصر وحتى في العديد من الدول الكبرى. كما أن الشركات المدنية التابعة للجيش قد نشأت بعد تحرير أسعار السلع وبدء خصخصة القطاع العام الذي كان يمد الجيش بالأغذية ومواد البناء وكل ما يحتاجه الجيش. ومن غير المنطقي أن يتم وضع الجيش تحت رحمة شركات خاصة محلية أو أجنبية، وبالتالي كانت هناك ضرورة حقيقية لإنشاء بعض الشركات لضمان توفير تلك المواد للجيش وليس من أجل التربح أو الإنتاج للسوق في ذلك الحين. والأفضل والأصوب أن تكون شركات عامة مدنية كما كان الأمر قبل كارثة الخصخصة. كما أن إنشاء شركة للمقاولات وشركات أخرى لمواد البناء هو أمر ضروري لتنفيذ مشروعات البنية الأساسية العسكرية والحفاظ على سريتها. لكن ذلك النشاط الاقتصادي المدني شهد توسعا كبيرا للشركات التابعة لجهازالخدمة الوطنية على حساب الشركات العامة والخاصة المدنية في مجالات الفنادق والقرى السياحية والاستادات والأندية الرياضية وإنشاء وإدارة الطرق والإعلانات والعقارات والمراكز والمنافذ التجارية والمقاولات العامة التي تشكل القطاع الأسرع نموا وربحية في الاقتصاد في الوقت الراهن في ظل أولويات النمو الاقتصادي التي تتبناها الحكومة.
كما صدر قانون ونشر في الجريدة الرسمية في العدد 23 الصادر في 9 يونيو 2016 يقضي في مادته الأولى بتخصيص الأراضي بعمق 2 كم على جانبي الطرق الجديدة لوزارة الدفاع وتعتبر مناطق استراتيجية ذات أهمية عسكرية ولا يجوز تملكها. وإلى هنا يعد الأمر مقبولا طالما أنها مناطق ذات أهمية عسكرية. لكن المادة الثانية من ذلك القانون تنص على أن "يتولى رئيس مجلس الوزراء بالتنسيق مع الجهات المعنية بالدولة الانتهاء خلال سنة من المخططات الاستراتيجية لتنمية تلك المساحات". وهنا تنتفي صفة الطبيعة العسكرية عن تلك المناطق طالما أنه ستتم تنميتها اقتصاديا وستقوم الحكومة المدنية بوضع مخططات تنميتها. وتلك المناطق شأنها شأن كل الأراضي العامة ملك للشعب وتنوب الحكومة عنه في إدارة التصرفات فيها وفقا للقانون ولا يوجد أي مبرر لذلك التخصيص كليا. وربما يكون من الأوفق أن يتم التراجع عن ذلك القانون وتخصيص تلك الأراضي التي ستستخدم للنشاط الاقتصادي المدني للقطاع العام المدني والقطاع الخاص الكبير والمتوسط والتعاوني والصغير بصورة مجزية ماليا للدولة بما يساعدها على تحسين توازنها المالي، فضلا عما سيؤدي إليه تغيير ذلك التخصيص من تنشيط واستنهاض المبادرات المجتمعية الخاصة في النشاط الاقتصادي. كما يمكن للدولة أن تسدد ديونها للتأمينات من خلال تخصيص تلك الأراضي للهيئة القومية للتأمينات لاستغلالها لصالح أرباب المعاشات.
ولابد من الإشارة إلى أن قانون الضرائب الذي تم وضعه عام 2005 يعفي مشروعات جهاز الخدمة الوطنية بوزارة الدفاع من الضرائب كلية، وهو أمر غير منطقي، فطالما أن شركات الجيش تقوم بأي عمل أو نشاط مدني وغير عسكري، فعليها أن تخضع بالنسبة لتلك الأنشطة المدنية للضرائب لتحقيق العدالة في المنافسة في سوق الأعمال من جهة، ولزيادة الإيرادات الضريبية العامة بما يساهم في إصلاح العجز في الموازنة العامة للدولة من جهة أخرى. كما أن العمالة في تلك الشركات ذات النشاط المدني يجب أن يطبق عليها نظام الأجور المعمول به في القطاع المدني حتى بالنسبة للمجندين لضمان عدالة المنافسة في الأعمال.
أما بالنسبة للإنفاق العسكري المخصص في الموازنة العامة للدولة فإن مصر تعتبر من أدنى دول العالم في هذا الشأن. وتشير بيانات البنك الدولي في تقريره عن مؤشرات التنمية في العالم (World Bank, World Development Indicators 2017, p. 82-86) إلى أن الإنفاق العسكري في مصر قد بلغ 1,7% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2015، مقارنة بنحو 5,4% في الكيان الصهيوني، ونحو 13,5%في مملكة عائلة سعود، ونحو 6,2% في الجزائر، ونحو 7,3% في العراق، ونحو 4,3% في الأردن، ونحو 5,7% في الإمارات، ونحو 3,2% في المغرب، ونحو 14,2% في عمان، ونحو 4,8% في لبنان، ونحو 3,3% في الولايات المتحدة، ونحو 7,7% في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تقع مصر فيها، ونحو 2,3% في المتوسط العالمي، ونحو 2% في مجموع الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل، ونحو 2,4% في الدول الغنية.
وكما هو واضح فإن مصر تعتبر من أدنى بلدان العالم في الإنفاق العسكري المخصص في الموازنة العامة للدولة، وهو ما يستدعي عدم الانزلاق للهستيريا الغربية في هذا الشأن فهذا جيش الشعب أو بمعنى آخر جيشنا وأبناؤنا وليس جيش الرئيس بالنسبة لمن يختلفون معه. وصحيح أن الجيش يضيف إلى هذا الإنفاق المخصص في الموازنة العامة للدولة تمويلا إضافيا من عائد مشروعاته، لكن الإنفاق العسكري المصري كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي يبقى ضمن الأدنى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
لكن تبقى هناك ضرورة لإخضاع النشاط الاقتصادي المدني للجيش وشركاته لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات باعتبارها شركات عامة ومال عام، وإخضاعها للضرائب لضمان عدالة المنافسة في سوق الأعمال من جهة، ولزيادة الإيرادات العامة وتقليل عجز الموازنة العامة للدولة من جهة أخرى، وهذا ما كتبته مرارا وتكرارا وآخرها في مقالي "ماذا يريد الغرب من اقتصاد الجيش" المشار إليه أعلاه. كما أن تمدد شركات الجيش في الفضاء الاقتصادي المدني البعيد عن ضرورات الأمن القومي يؤدي إلى تحجيم المبادرات الاقتصادية المجتمعية المتمثلة في مبادرات القطاع الخاص الصغير والمتوسط والتعاوني والكبير وأيضا القطاع العام المدني الذي يعاني تاريخيا من إهمال جسيم. كما أنه يعطي فرصة للحديث عن عسكرة الاقتصاد المتمثل في تمدد الشركات التابعة للجيش وسيطرتها على نسبة متزايدة من النشاط الاقتصادي المدني في مصر، وهي أمور تحتاج لمراجعة جدية وموضوعية.
Ahmed El-Naggar

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق