الأحد، 25 سبتمبر 2016

يوسف زيدان : الدموية الاسلامية ترتبط بالسعي إلى السلطة السياسية وليس بالإسلام

الشباب يتناقلون بين صفحاتهن و صفحاتهم على الفيسبوك ، بياناً تاريخياً يؤكد دموية الإسلام بذكر أعمال القتل المتوالية في حروب الصحابة و التابعين و الأمويين و العباسيين و العثمانيين ، وصولاً الي شنائع داعش . . و ينتهي البيان بالاستدلال علي دموية الإسلام و إسلامية داعش ، بأن الأزهر رفض تكفير الدواعش .
طيب . . هناك عدة نقاط لتصويب هذا الاتجاه الجديد الذي شاع ، أولها أن الوقائع المذكورة لسجل الصراع الدموي في الإسلام علي السلطة السياسية ، كلها وقائع صحيحة و لا سبيل لإنكارها . و لكن هذه الدموية ، ترتبط بالسعي إلى السلطة السياسية ، و ليس بالإسلام . بدليل أنها متشابهة بل متطابقة مع وقائع العنف المريع في تاريخ المجتمعات غير الإسلامية . و أكثرها بشاعة و ترويعاً ، هو ما شهده تاريخ المسيحية (ديانة المحبة) بسبب الصراع بين الكنائس و القتال بين الطامعين في حُكم الإمبراطورية البيزنطية . . و بالتالي فالبلايا هذه ترتبط بشهوة السلطة السياسية ، و ليس بالدين في حد ذاته .
ثانياً ، الأزهر لم يستطع تكفير داعش نظراً لاستمساكه الشديد بقواعد المذهب الأشعري الذي لا يُجيز تكفير أهل القبلة ، لهذا فهو يدين أفعال الدواعش و لكنه لا يستطيع تكفيرهم . . وقد أقترحتُ حلاً لهذا المأزق في عديد من مقالاتي ، هو إقرار الأزهر بأن الدواعش و أمثالهم من بوكو حرام و دامل و النصرة و فجر ليبيا ، و غير ذلك من جماعات مسلحة تجعل الدين وسيلة للوصول إلى السلطة السياسية ، هم في واقع الحال يرتكبون أفعالاً تخرجهم عن دائرة الإنسانية ، التي تحيط بالديانات و المذاهب و المعتقدات ، و بالتالي فهم خارجون عن دائرة أي دين سواءً كان الإسلام أم غيره . و الحكم فيهم يقوم علي العقل و المنطق قبل النقل و التشريع و الإفتاء .
و ثالثا ، في تاريخنا (السياسي) الإسلامي شنائع لا حصر لها ، و لكن تاريخ الإسلام العام ، فيه من البدائع ما لا حصر له . . عبقرية أمثال رابعة العدوية التي خرجت بالتدين من إطار الخوف و الرجاء إلى رحابة الحب كارتباط إيماني بين الإنسان و السماء . . عبقرية أمثال البيروني الذي لاتزال كتبه في الفلك و الجواهر و الصيدلة و تاريخ الهند ، تبهر القرّاء و تُذهل المتخصّصين . . عبقرية أمثال المتنبي الذي بلغ شعره سقف البلاغة و احتوي حكماً كثيرة لاتزال جارية إلى اليوم علي ألسنة الناس ، مثل : مصائبُ قومٍ عند قومٍ فوائدُ ، علي قدر أهل العزم تأتي العزائمُ ، نامت نواطير مصر ، وغيرها كثير من فصوص النصوص . . عبقرية أمثال مولانا جلال الدين الرومي الذي حلّق بمفهوم الإنسانية إلى الافق الأعلى الذي لايزال يُبهر الناس شرقاً و غرباً . . هذه العبقريات ، كلها ، إسلامية !
إن الخطأ الذي ارتكبناه ، فأربكنا و شوّش علينا ، هو أننا توهمنا أن تاريخ الحكام و الخلفاء و السلاطين ، هو تاريخ الإسلام . و أهملنا الوقوف عند صناع التاريخ الحقيقي ، الإنساني ، من صوفية و علماء و أدباء و فلاسفة . . مع ان هؤلاء العباقرة كانوا في كل مرحلة تاريخية ، و في تاريخ الجماعات الإنسانية جمعاء ، هم الأكثر تأثيراً علي المدي القريب و البعيد . . المحلّي و العالمي . . الإسلامي و الإنساني .
Youssef Ziedan

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق